ابن المقفع
101
آثار ابن المقفع
على نفسه وذويه وكان خامل المنزلة فالمقبور أحيا « 1 » منه . ومن عمل لبطنه وشهواته وقنع ، وترك ما سوى ذلك ، عد من البهائم . قال كليلة : قد فهمت ما قلت فراجع عقلك واعلم أن لكل إنسان منزلة وقدرا ، فإن كان في منزلته التي هو فيها متماسكا كان حقيقا أن يقنع ، وليس لنا من المنزلة ما يحط حالنا التي نحن عليها . ثم إن منزلة الإنسان مقدورة « 2 » عليه منذ الأزل ، فلا سبيل له إلا الرضى بها كيف كانت . قال دمنة : إن المنازل متنازعة « 3 » ، مشتركة على قدر المروءة ، فالمرء ترفعه مروءته من المنزلة الوضيعة إلى المنزلة الرفيعة ، ومن لا مروءة له يحط نفسه من المنزلة الرفيعة إلى المنزلة الوضيعة . وإن الارتفاع إلى المنزلة الشريفة شديد ، والانحطاط منها هين كالحجر الثقيل رفعه من الأرض إلى العاتق « 4 » عسر ووضعه إلى الأرض هين . فنحن أحق أن نروم ما فوقنا من المنازل وأن نلتمس ذلك بمروءتنا . ثم كيف نقنع بمنزلتنا ونحن نستطيع التحول عنها . قال كليلة : فما الذي اجتمع عليه رأيك ؟ قال دمنة : أريد أن أتعرض للأسد عند هذه الفرصة لأنه قد ظهر لي أنه ضعيف الرأي قد التبس عليه أمره وعلى جنده أيضا ، ولعلي على هذه الحال أدنو منه فأصيب عنده منزلة ومكانة فيبتدرني بالكلام فأجيبه بما تقدحه القريحة لعلها تنتج بيننا نتيجة تؤدي إلى إظهار أمر مكتوم . قال كليلة : وما يدريك أن الأسد قد التبس عليه أمره ؟
--> ( 1 ) أحيا : أفعل تفضيل من الحياة . ( 2 ) مقدورة : مقدرة . ( 3 ) متنازعة : كل يطلبها . ( 4 ) العاتق : ما بين العنق والكتف .